الشيخ محمد الصادقي الطهراني
56
تاريخ الفكر والحضارة
أخرى يؤيد فكرة الاله التي هي في صيغة أخرى فكرة : ان لكل معلول علة ؛ فلابد للكون من علة هي علة العلل والمعاليل ؛ لان الكون في تطور دائم ؛ فكلما تقدم العلم تأخر تأليه الأصنام وسائر طاقات الطبيعة وتقدم تأليه من ليس كمثله شئ وهو اللطيف الخبير كما وتصدقنا العلوم التجريبية . « 1 » الحسيون قد خيل إليهم أن فكرة الاله تعني ان الاله هو العلة الوحيدة لمعاليل الكون دون أن تكون هناك علل أخرى مهما كانت هي أيضا معلولة للاله . يقول هكسلي : « إذا كانت الحوادث تصدر عن قوانين طبيعة فلا ينبغي ان ننسبها إلى أسباب فوق الطبيعة » . هذا ، ولكن فكرة الاله وراء الطبيعة تعني انه علة الكون اجمع في حدوثه وفي القوانين الكامنة الحاكمة فيه ، وفي كافة تطوراته ، ولا نعني من علية الاله بطلان العلية في قوانين الكون ، انما علة أصل وعلة فرع والثانية معلولة للأولى . فبيده تعالى ناصية كل شئ وهو الخالق للعلل ومعلولاتها دون ان تغلب الطاقات الكونية على القدرة الإلهية . « 2 » إذا فهذا خطأ من القول وجهل : ان اكتشاف علل الحوادث المادية تغنينا عن فكرة الاله ، إذ لا تعني فكرة الاله ان لكل العلل آلهة أو اله واحد ، وانما علة العلل الذي هو قبل العلل ومعها وبعدها دون ان تستغني هذه العلل الحادثة عن العلة الأولية الأزلية كما حققناه في ( حوار ) . اجل ، ان التعرف إلى العلل الكونية تغنينا عن تأليه هذه العلل وعن اعتبار اتها علل غيبية ، إذا فتقدم العلم انما يقضي على تعدد الآلهة في حين انه يؤكد في وجود علة أولى وراء المادة ، خلاف ما يعينه ويزعمه الماديون من تقدم العلم ؛ فهناك تفسيران لاهوتيان للاحداث : لاهوتي أول يعني فكرة الاله الواحد علة العلل الكونية ، ولاهوتية ، انما مادية كمعلولاتها . واما ان يفضح التفسير الأول فلا إذ ان العلم لم يكشف النقاب عن وجه العلة الأولى وانها مادة لكي يقضي على هذا التفسير اللاهوتي أيضا .
--> ( 1 ) . راجع كتابنا ( ( حوار بين الإلهيين والماديين ) ) . ( 2 ) . راجع كتابنا ( حوار ) باب العلية .